×

التحول المجتمعي الهادئ

التحول المجتمعي الهادئ

Spread the love

التحول المجتمعي الهادئ

أن الإسلام لم ينتزع الانتماء القبلي انتزاعا مطلقا من نفوس العرب، ليس من باب ضعف الإسلام، بل من باب تجذر سلطة القبيلة عبر قرون من الزمان. وهذا ما فهمه الإسلام جيدا، فجاء في القرآن الكريم “فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا”. وجاء في الحديث الشريف “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم فسر نصرة الأخ ظالما بمنعه عن ظلمه
ومع انفتاح الثقافة الوطنية على الثقافات العالمية وانتقال الكثير من المفاهيم الجديدة، لم تتمكن القبلية من التنحي، ولم تتقبل التهميش الذي قد تتعرض له بفعل الفلسفات والأفكار الأجنبية المناقضة، كالماركسية والقومية والوجودية والبنيوية والتفكيكية وما إلى ذلك.
تجذر القبلية
ولا نريد هنا أن نفاضل بين هذه الأفكار والفلسفات من جهة، والقبلية من جهة أخرى، أي أن موضوعنا لا يتناول هذا الجانب، مقدار تناوله تجذر الثقافة القبلية في النفس الوطنية، رغم كل ما طرأ على المجتمع الموريتاني من أفكار ومفاهيم.
فقد انتشرت الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني كالنقابات والجمعيات ومراكز الدراسات وما إلى ذلك، وتمت ممارسة العملية الديمقراطية -ولو شكليا- منذ عقود من الزمن. وتبنى الليبرالية الديمقراطية العديد من الكتاب والمثقفين والمفكرين الموريتانيين، بحيث أصبح لها منابرها الإعلامية ومؤسساتها الاجتماعية والثقافية. ولكن، رغم كل ما ذكرناه، لا نزال نتلمس الثقافة القبلية في معظم حياتنا، مع الأخذ بعين الاعتبار نسبية هذا الواقع الناجمة عن أسباب عدة.
فقد تحول الحزب السياسي مثلا في العديد من نواحي الوطن إلى معادل موضوعي للقبيلة، وتحولت الاتحادات على اختلاف أنواعها والنقابات والجمعيات إلى بدائل عن القبيلة. بل يمكن القول إن مؤسسات وطنية وقومية كالجيش والأمن، ناهيك عن المؤسسات والدوائر المدنية الرسمية الأخرى أصبحت هي أيضا توازي القبيلة.
ولكن الفارق هنا يتجسد في التجليات التي تختلف من جهة إلى أخرى، فالحزب السياسي يعتمد في بعض المناطق على عائلات مترابطة، كما إنه لم يصل بعد إلى درجة التخلي عن الثقافة القبلية حتى ولو كان يساريا أو دينيا.
فالرؤساء في بعض الأحزاب السياسية و النقابات و هيأت المجتمع المدني اصبحوا أقرب إلى شيوخ قبائل، وآراؤهم ومواقفهم لا يمسها الباطل وغير قابلة للنقاش أو المساجلة، مع وجود استثناءات لا بد من الاعتراف بها هنا وهناك.
فحين تسيطر قوة سياسية على نقابة ما تصبح النقابة معادلا موضوعيا للحزب الذي تنتمي إليه تلك القوة، ويجري على الفور تهميش القوى السياسية الأخرى.
وهكذا هي الحال في مؤسسات المجتمع المدني كافة، أي إننا لا نزال أسرى الثقافة القبلية، حتى ولو تحدثنا عن الحداثة وما بعد الحداثة، وحتى لو ملأنا العديد من الصفحات كلاما عن الهوية الشخصية والحرية الفردية وتحقيق الكيانية الإنسانية.
والسؤال هو: كيف تحدث التغيرات في مجتمعاتنا؟ ويتفرع من هذا السؤال أسئلة أخرى بالضرورة، سنأتي عليها في السياق الملائم.
الوظيفة الاجتماعية
لقد أشار عالم الاجتماع إميل دوركهايم إلى دور الوظيفة الاجتماعية، وركز الفيلسوف كارل ماركس جل اهتمامه على الصراعات الاجتماعية، أما العالم ماكس فيبر فنوه بدور الفرد وتأثيره في التغيرات الاجتماعية.
نتساءل عن التغيرات التي حدثت في مجتمعاتنا، ونكتشف أن هذه المجتمعات لم تسلك في تطورها مسالك المجتمعات الأخرى.
بل يمكن القول إن أهم العوامل التي أسهمت في التغيرات الاجتماعية التي عرفتها هذه المجتمعات كان العامل الخارجي، فخروج الاستعمار من الوطن لم يكن مماثلا لخروجه من البلدان الأخرى. وقد عمل قبل خروجه على إبقاء البنية الاجتماعية أسيرة القوانين والثقافات القديمة، ومنها الثقافة القبلية.
فقد سلم الاستعمار كثيرا من البلد إلى عدد من العائلات، وهي الركيزة الأولى في البنية القبلية، ولأن هذه العائلات حريصة على استمرار تسيدها، كانت وظيفتها الأولى ثقافيا هي نشر الثقافة القبلية وتعميمها.
ومع انتشار وسائل الحكم الديمقراطية في العالم، كان لا بد لهذه الثقافة أن تتكيف مع هذه النماذج الجديدة، فأسست مؤسسات ديمقراطية وما إلى ذلك. ولكن الذي حدث هو أن الثقافة القبلية ازدادت تجذرا.
فالديمقراطية “حكم الشعب” تعني لهذه العائلات مساواتها مع شرائح المجتمع الأخرى وطبقاته، وتعني مشاركة الشعب في السياسات العامة. وهو ما جعل الأنظمة التي تعاقبت على السلطة في العقود الماضية خاصة نظام الرئيس الراحل معاوية سيد احمد الطايع تعيد الاعتبار إلى روابط القبيلة.
وهذا ما نلمسه هذه الأيام في الانتفاضات الشعبية على الوسائط الاجتماعية، حيث يستنفر البعض عشيرته أو قبيلته في مواجهة المطالبة بالحقوق المشروعة لخصمه في قضايا مطروحة أمام القضاء.
الخاتمة:
ان قيم المجتمع المدني وترسيخها هي الكفيلة بتنحية الهوية القبلية، بكل ما تنطوي عليه من نكوص وترسيخ للعصبيات التي تقف بالضرورة عائقا أمام تقدم المجتمعات نحو الحداثة، بما تحمله من قيم حضارية كالحرية والعدل.
د. المين المختار

إرسال التعليق

Vous l’avez peut-être manqué ربما تكون قد فاتتك